ابن كثير
504
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لكونه ما مات قتيلا في الحرب ، ويتأسف على ذلك ، ويتألم أن يموت على فراشه . وقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ، يحث تعالى عباده على الانفاق في سبيل اللّه ، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع ، وفي حديث النزول أنه يقول تعالى : « من يقرض غير عديم ولا ظلوم » وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا خلف بن خليفة ، عن حميد الأعرج ، عن عبد اللّه بن الحارث ، عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : لما نزلت مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ ، قال أبو الدحداح الأنصاري : يا رسول اللّه ، وإن اللّه عز وجل ليريد منا القرض ؟ قال : « نعم يا أبا الدحداح » . قال : أرني يدك يا رسول اللّه . قال : فناوله يده ، قال : فإني قد أقرضت ربي عز وجل حائطي ، قال : وحائط له فيه ستمائة نخلة ، وأم الدحداح فيه وعيالها . قال فجاء أبو الدحداح فنادها : يا أم الدحداح . قالت : لبيك . قال : أخرجي ، فقد أقرضته ربي عز وجل . وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن عمر رضي اللّه عنه مرفوعا بنحوه . وقوله : قَرْضاً حَسَناً روي عن عمر وغيره من السلف هو النفقة في سبيل اللّه ، وقيل : هو النفقة على العيال ، وقيل : هو التسبيح والتقديس . وقوله : فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً كما قال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [ البقرة : 261 ] ، وسيأتي الكلام عليها . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يزيد ، أخبرنا مبارك بن فضالة ، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان النهدي ، قال : أتيت أبا هريرة رضي اللّه عنه ، فقلت له : إنه بلغني أنك تقول إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة ، قال : وما أعجبك من ذلك ، لقد سمعته من النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول « إن اللّه يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة » هذا حديث غريب ، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير . لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال : حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب ، حدثنا يونس بن محمد المؤدب ، حدثنا محمد بن عقبة الرفاعي عن زياد الجصاص عن أبي عثمان النهدي ، قال : لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني ، فقدم قبلي حاجا ، قال : وقدمت بعده ، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، يقول « إن اللّه يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة » فقلت : ويحكم ، واللّه ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني ، فما سمعت هذا الحديث ، قال : فتحملت أريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجا ، فانطلقت إلى الحج ألقاه في هذا الحديث ، فلقيته لهذا ، فقلت : يا أبا هريرة ، ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك ؟ قال : ما هو ؟ قلت : زعموا أنك تقول : إن اللّه يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة ،
--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 2 ص 296 )