ابن كثير
501
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وهذا القول له اتجاه ، وفي اللفظ مساعدة له ، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون ، منهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر . وقول عطاء ومن تابعه ، على أن ذلك منسوخ بآية الميراث ، إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلم ، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت ، فهذا محل خلاف بين الأئمة وهما قولان للشافعي رحمه اللّه ، وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج ، بما رواه مالك في موطئه « 1 » ، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة ، أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري ، رضي اللّه عنهما ، أخبرتها أنها جاءت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة ، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت : فسألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة ، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة ، قالت : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « نعم » قالت : فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أو أمر بي فنوديت له فقال « كيف قلت » ؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت له شأن زوجي ، فقال « امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله » قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا ، قالت : فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك ، فأخبرته فاتبعه وقضى به ، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به . ورواه النسائي أيضا وابن ماجة من طرق عن سعد بن إسحاق به ، وقال الترمذي : حسن صحيح « 2 » . وقوله وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما نزل قوله تعالى : مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ قال رجل : إن شئت أحسنت ففعلت ، وإن شئت لم أفعل ، فأنزل اللّه هذه الآية وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وقد استدل بهذه الآية ، من ذهب من العلماء ، إلى وجوب المتعة لكل مطلقة ، سواء كانت مفوضة ، أو مفروضا لها ، أو مطلقة قبل المسيس ، أو مدخولا بها ، وهو قول عن الشافعي رحمه اللّه ، وإليه ذهب سعيد بن جبير ، وغيره من السلف ، واختاره ابن جرير ، ومن لم يوجبها مطلقا ، يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ البقرة : 236 ] وأجاب الأولون بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم ، فلا تخصيص على المشهور المنصوص ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) الموطأ ( طلاق حديث 87 ) ( 2 ) الترمذي ( طلاق باب 23 ) والنسائي ( طلاق باب 60 ) وأبو داود ( طلاق باب 44 ) وابن ماجة ( طلاق باب 8 ) والدارمي ( طلاق باب 14 )