ابن كثير
488
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
جاز عفوها ، فإن شحت وضنت عفا وليها جاز عفوه . وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة ، وهو مروي عن شريح ، لكن أنكر عليه الشعبي ، فرجع عن ذلك وصار إلى أنه الزوج وكان يباهل عليه . وقوله : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى قال ابن جرير « 1 » : قال بعضهم : خوطب به الرجال والنساء ، حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، سمعت ابن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى قال : أقربهما للتقوى الذي يعفو ، وكذا روي عن الشعبي وغيره . وقال مجاهد والنخعي والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والثوري : الفضل - هاهنا - أن تعفوا المرأة عن شطرها أو إتمام الرجل الصداق لها ، ولهذا قال وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أي الإحسان ، قاله سعيد ، وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل المعروف : يعني لا تهملوه بل استعملوه بينكم ، وقد قال أبو بكر بن مردويه ، حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا موسى بن إسحاق ، حدثنا عقبة بن مكرم ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا عبد اللّه بن الوليد الرصافي عن عبد اللّه بن عبيد ، عن علي بن أبي طالب ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ليأتين على الناس زمان عضوض ، يعض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل ، وقد قال اللّه تعالى : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ شرار يبايعون كل مضطر » وقد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن بيع المضطر وعن بيع الغرر ، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه ، فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه . وقال سفيان : عن أبي هارون ، قال : رأيت عون بن عبد اللّه في مجلس القرظي ، فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء ، ويقول صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هما حين رأيتهم أحسن ثيابا ، وأطيب ريحا ، وأحسن مركبا ، وجالست الفقراء فاسترحت بهم ، وقال وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فليدع له ، رواه ابن أبي حاتم إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم ، وسيجزي كل عامل بعمله . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 238 إلى 239 ] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ( 238 ) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 239 ) يأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها ، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود ، قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أي العمل أفضل ؟ قال : « الصلاة في وقتها » . قلت : ثم أي ؟ قال : « الجهاد في سبيل اللّه » . قلت : ثم أي ؟ قال « برّ الوالدين » ، قال : حدثني بهنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولو استزدته لزادني .
--> ( 1 ) تفسير الطبري 2 / 566 .