ابن كثير

484

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقوله أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي أضمرتم في أنفسكم من خطبتهن ، وهذا كقوله تعالى وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ [ القصص : 69 ] وكقوله وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ [ الممتحنة : 1 ] ولهذا قال عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ أي في أنفسكم ، فرفع الحرج عنكم في ذلك . ثم قال : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا قال أبو مجلز وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان والسدي : يعني الزنا ، وهو معنى الزنا ، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس ، واختاره ابن جرير ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا لا تقل لها : إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري ، ونحو هذا ، وكذا روي عن سعيد بن جبير والشعبي وعكرمة وأبي الضحى والضحاك والزهري ومجاهد والثوري ، هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره . وعن مجاهد : هو قول الرجل للمرأة : لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك ، وقال قتادة : هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره ، فنهى اللّه عن ذلك ، وقدم فيه وأحل الخطبة ، والقول بالمعروف ، وقال ابن زيد وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا هو أن يتزوجها في العدة سرا ، فإذا حلت أظهر ذلك ، وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك ، لهذا قال إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي والثوري وابن زيد : يعني به ما تقدم من إباحة التعريض كقوله : إني فيك لراغب ونحو ذلك ، وقال محمد بن سيرين : قلت لعبيدة : ما معنى قوله إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً ؟ قال : يقول لوليها : لا تسبقني بها ، يعني لا تزوجها حتى تعلمني ، رواه ابن أبي حاتم . وقوله وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ يعني ولا تعقدوا العقدة بالنكاح حتى تنقضي العدة . قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان والزهري وعطاء الخراساني والسدي والثوري والضحاك : حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ يعني ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة ، وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في العدة . واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها ، فدخل بها ، فإنه يفرق بينهما ، وهل تحرم عليه أبدا ؟ على قولين : الجمهور على أنها لا تحرم عليه ، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها . وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد ، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار ، أن عمر رضي اللّه عنه ، قال : أيما امرأة نكحت في عدتها ، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما ، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ، وكان خاطبا من الخطاب ، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ، ثم اعتدت من الآخر ، ثم لم ينكحها أبدا وقالوا : ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أحل اللّه ، عوقب بنقيض قصده ، فحرمت عليه على التأبيد كالقاتل يحرم الميراث . وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك . قال البيهقي : وذهب إليه في القديم ورجع عنه في الجديد ، لقول علي أنها تحل