ابن كثير
480
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله : فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين ، ورأيا في ذلك مصلحة له ، وتشاروا في ذلك وأجمعا عليه ، فلا جناح عليهما في ذلك ، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي ، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد ذلك من غير مشاورة الآخر ، قاله الثوري وغيره ، وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره ، وهو من رحمة اللّه بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما ، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه ، كما قال في سورة الطلاق فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى [ الطلاق : 6 ] . وقوله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد إما لعذر منها أو العذر له ، فلا جناح عليهما في بذله ، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن ، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف ، قاله غير واحد . وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ أي في جميع أحوالكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 234 ] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 234 ) هذا أمر من اللّه للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن ، أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال ، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع ، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة ، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي : أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها ، ولم يدخل بها ولم يفرض لها ، فترددوا إليه مرارا في ذلك ، فقال أقول فيها برأيي ، فإن يك صوابا فمن اللّه ، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان ، واللّه ورسوله بريئان منه : لها الصداق كاملا ، وفي لفظ : لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث ، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قضى به في بروع بنت واشق ففرح عبد اللّه بذلك فرحا شديدا ، وفي رواية : فقام رجال من أشجع فقالوا : نشهد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق . ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها ، وهي حامل ، فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطلاق : 4 ] . وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع ، أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين ، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي ، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية المخرج في الصحيحين « 1 » من غير وجه ، أنها توفي عنها زوجها سعد بن خولة وهي
--> ( 1 ) ينظر صحيح البخاري ( طلاق باب 38 ، ومغازي باب 10 ) وصحيح مسلم ( رضاع حديث 123 ) وسنن أبي داود ( طلاق باب 47 ) وسنن النسائي ( طلاق باب 56 )