ابن كثير

461

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

جرير كذلك ، واختار أن هذا تفسير هذه الآية . وقوله فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أي إذا طلقتها واحدة أو اثنتين ، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية بين أن تردها إليك ناويا الإصلاح بها والإحسان إليها ، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك وتطلق سراحها محسنا إليها ، لا تظلمها من حقها شيئا ولا تضار بها . وقال ابن أبي طلحة . عن ابن عباس ، قال : إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين ، فليتق اللّه في ذلك ، أي في الثالثة ، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها ، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا . وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني سفيان الثوري ، حدثني إسماعيل بن سميع ، قال : سمعت أبا رزين يقول : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، أرأيت قول اللّه عز وجل فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أين الثالثة ؟ قال : « التسريح بإحسان » ورواه عبد بن حميد في تفسيره ولفظه : أخبرنا يزيد بن أبي حكيم عن سفيان عن إسماعيل بن سميع ، أن أبا رزين الأسدي يقول : قال رجل : يا رسول اللّه ، أرأيت قول اللّه الطَّلاقُ مَرَّتانِ فأين الثالثة ؟ قال « التسريح بإحسان الثالثة » ورواه الإمام أحمد أيضا . وهكذا رواه سعيد بن منصور عن خالد بن عبد اللّه ، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أبي رزين به وكذا رواه ابن مردويه أيضا من طريق قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين به مرسلا ورواه ابن مردويه أيضا من طريق عبد الواحد بن زياد ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فذكره ، ثم قال : حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن عبد الرحيم ، حدثنا أحمد بن يحيى ، حدثنا عبيد اللّه بن جرير بن جبلة ، حدثنا ابن عائشة ، حدثنا حماد بن سلمة بن قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، ذكر اللّه الطلاق مرتين ، فأين الثالثة ؟ قال : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ . وقوله : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن ، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه ، كما قال تعالى : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [ النساء : 19 ] فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها ، فقد قال تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [ النساء : 40 ] وأما إذا تشاقق الزوجان ، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته ، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها ، ولا حرج عليها في بذلها له ، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها ، ولهذا قال تعالى : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الآية . فأما إذا لم يكن لها عذر ، وسألت الافتداء منه ، فقد قال ابن