ابن كثير

454

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الرب عز وجل ، ولا في قطيعة الرحم ، ولا فيما لا تملك » . وقوله وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب ، قال مجاهد وغيره ، وهي كقوله تعالى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [ المائدة : 89 ] . وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ أي غفور لعباده حليم عليهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 226 إلى 227 ] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 ) الإيلاء الحلف ، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة ، فلا يخلو إما أن يكون أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها ، فإن كانت أقل ، فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته ، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة ، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، آلى من نسائه شهرا فنزل لتسع وعشرين ، وقال « الشهر تسع وعشرون » ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه ، فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر ، إما أن يفيء أي يجامع ، وإما أن يطلق فيجبره الحاكم على هذا ، وهذا لئلا يضر بها ، ولهذا قال تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ أي يحلفون على ترك الجماع عن نسائهم ، فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أي ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف ، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق ، ولهذا قال فَإِنْ فاؤُ أي رجعوا إلى ما كانوا عليه وهو كناية عن الجماع ، قاله ابن عباس ومسروق والشعبي وسعيد بن جبير وغير واحد ومنهم ابن جرير رحمه اللّه فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين . قوله فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه دلالة لأحد قولي العلماء ، وهو القديم عن الشافعي أن المولى إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه ، ويعتضد بما تقدم في الحديث عند الآية التي قبلها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فتركها كفارتها » كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي ، والذي عليه الجمهور وهو الجديد من مذهب الشافعي أن عليه التكفير لعموم وجوب التكفير على كل حالف ، كما تقدم أيضا في الأحاديث الصحاح ، واللّه أعلم . وقوله وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فيه دلالة على أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر ، كقول الجمهور من المتأخرين ، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي أربعة أشهر تطليقة ، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ، وبه يقول ابن سيرين ومسروق والقاسم وسالم والحسن وأبو سلمة وقتادة وشريح القاضي وقبيصة بن