ابن كثير
440
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال : سمعت عائشة تقول : كنت أنا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث ، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يعده وإن أصابه - يعني ثوبه - شيء غسل مكانه لم يعده وصلّى فيه ، فأما ما رواه أبو داود « 1 » حدثنا سعيد بن عبد الجبار ، حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد ، عن أبي اليمان ، عن أم ذرة ، عن عائشة أنها قالت : كنت إذا حضت نزلت عن المثال « 2 » على الحصير ، فلم نقرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولم ندن منه حتى نطهر ، فهو محمول على التنزه والاحتياط . وقال آخرون : إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار ، كما ثبت في الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض ، وهذا لفظ البخاري ، ولهما عن عائشة نحوه ، وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث العلاء ، عن حزام بن حكيم ، عن عمه عبد اللّه بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال : ما فوق الإزار . ولأبي داود أيضا عن معاذ بن جبل ، قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال : ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل » وهو رواية عن عائشة كما تقدم وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح . فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل ما فوق الإزار منها ، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي رحمه اللّه ، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم ، ومأخذهم أنه حريم الفرج فهو حرام لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم اللّه عز وجل الذي أجمع العلماء على تحريمه وهو المباشرة في الفرج ، ثم من فعل ذلك فقد أثم ، فيستغفر اللّه ويتوب إليه ، وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا ؟ فيه قولان : [ أحدهما ] نعم ، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض ، يتصدق بدينار أو نصف دينار ، وفي لفظ للترمذي « إذا كان دما أحمر فدينار ، وإن كان دما أصفر فنصف دينار » وللإمام أحمد أيضا عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، جعل في الحائض تصاب دينارا ، فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل ، فنصف دينار . [ والقول الثاني ] وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في ذلك ، بل يستغفر اللّه عز وجل لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث ، فإنه قد روي مرفوعا كما تقدم ، وموقوفا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث ، فقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ تفسير قوله فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ونهى عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودا ، ومفهومه حله إذا انقطع . قال الإمام أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة : وقوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ الآية ، الطهر يدل
--> ( 1 ) سنن أبي داود ( طهارة باب 106 ) ( 2 ) المثال : الفراش .