ابن كثير
435
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال ، ذلك ألا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس ، ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير « 1 » : حدثنا علي بن مسلم ، حدثنا أبو عاصم عن ابن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : قال رجل : يا رسول اللّه ، عندي دينار ، قال « أنفقه على نفسك » قال : عندي آخر ، قال : « أنفقه على أهلك » قال : عندي آخر : قال « أنفقه على ولدك » قال : عندي آخر ، قال « فأنت أبصر » ؛ وقد رواه مسلم في صحيحه وأخرجه مسلم أيضا عن جابر ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لرجل « ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا » . وعنده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول » وفي الحديث أيضا « ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ، ولا تلام على كفاف » ثم قد قيل إنها منسوخة بآية الزكاة ، كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس ، وقاله عطاء الخراساني والسدي ، وقيل مبينة بآية الزكاة ، قاله مجاهد وغيره ، وهو أوجه . وقوله كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده ، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة . قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني في زوال الدنيا وفنائها ، وإقبال الآخرة وبقائها . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا أبو أسامة عن الصعق العيشي ، قال : شهدت الحسن وقرأ هذه الآية من البقرة لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ قال : هي واللّه لمن تفكر فيها ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء ، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء ، وهكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : لتعلموا فضل الآخرة على الدنيا . وفي رواية عن قتادة : فآثروا الآخرة على الأولى . وقوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ الآية ، قال ابن جرير « 2 » : حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا جرير عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ * و إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [ النساء : 10 ] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد ، فاشتد ذلك عليهم ، فذكروا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم . وهكذا رواه أبو داود
--> ( 1 ) تفسير الطبري 2 / 378 . ( 2 ) تفسير الطبري 2 / 982 .