ابن كثير
423
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [ فاطر : 6 ] ولهذا قال إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ قال مطرف : أغش عباد اللّه لعبيد اللّه الشيطان ، وقوله : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ أي عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج ، فاعلموا أن اللّه عزيز أي في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه ، ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس : عزيز في نقمته حكيم في أمره . وقال محمد بن إسحاق : العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 210 ] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 210 ) يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات اللّه وسلامه عليه هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين ، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ولهذا قال تعالى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ كما قال اللّه تعالى : كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا . وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا . وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى [ الفجر : 21 - 23 ] وقال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ [ الأنعام : 158 ] . وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير « 1 » - هاهنا - حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم ، وفيه : أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا واحدا من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا جاءوا إليه قال « أنا لها أنا لها » فيذهب فيسجد للّه تحت العرش ، ويشفع عند اللّه في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد فيشفعه اللّه ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة ، ثم الثانية ، ثم الثالثة ، إلى السابعة ، وينزل حملة العرش والكروبيون « 2 » ، قال : وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة ، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان ذي العزة والجبروت ، سبحان الحي الذي لا يموت ، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت ، سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى ، سبحان ذي السلطان والعظمة ، سبحانه سبحانه أبدا أبدا . وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه - هاهنا - أحاديث فيها غرابة ، واللّه أعلم . فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد اللّه بن ميسرة ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ،
--> ( 1 ) تفسير الطبري 2 / 343 . ( 2 ) الكروبيون : سادة الملائكة المقربون .