ابن كثير

419

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر اللّه عز وجل . ولما ذكر اللّه تعالى النفر الأول « 1 » والثاني وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف ، قال وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ كما قال وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ المؤمنون : 79 ] . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 204 إلى 207 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 206 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 207 ) قال السدي : نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك ، وعن ابن عباس ، أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم ، فأنزل اللّه في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وقيل : بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم ، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد ، وهو الصحيح . وقال ابن جرير « 2 » : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني الليث بن سعد عن خالد بن أبي هلال ، عن القرظي ، عن نوف وهو البكالي وكان ممن يقرأ الكتب ، قال : إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب اللّه المنزل : قوم يحتالون على الدنيا بالدين ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمرّ من الصبر ، يلبسون للناس [ لباس ] « 3 » مسوك الضأن ، وقلوبهم قلوب الذئاب ، يقول اللّه تعالى : فعليّ يجترءون وبي يغترون ، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران ، قال القرظي : تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ الآية « 4 » . وحدثني « 5 » محمد بن أبي معشر : أخبرني أبو معشر نجيح ، قال : سمعت سعيدا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي ، فقال سعيد : إن في بعض الكتب : إن عبادا ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصبر ، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين ، يجترون الدنيا بالدين ، قال اللّه تعالى ، عليّ تجترئون وبي تغترون ؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران ،

--> ( 1 ) النفر الأول هو اليوم الثاني من أيام التشريق ، والنفر الثاني أو الآخر هو اليوم الثالث . ( 2 ) تفسير الطبري 2 / 325 . ( 3 ) زيادة من الطبري . والمسوك : جمع مسك ، وهو الجلد . ( 4 ) في رواية الطبري زيادة هنا ، وهي : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ الحج : 11 . ( 5 ) تفسير الطبري 2 / 325 .