ابن كثير
395
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
سورة الفتح بكمالها ، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي ، وكان سبعين بدنة ، وأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا من إحرامهم ، فعند ذلك أمرهم عليه السلام أن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا ، فلم يفعلوا انتظارا للنسخ ، حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس ، وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه ، فلذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم « رحم اللّه المحلقين » قالوا : والمقصرين يا رسول اللّه ؟ فقال في الثالثة « والمقصرين » ، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة ، وكانوا ألفا وأربعمائة ، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم ، وقيل بل كانوا على طرف الحرم ، فاللّه أعلم . ولهذا اختلف العلماء : هل يختص الحصر بالعدو فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره على قولين ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن يزيد المقري ، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ، وابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ، وابن أبي نجيح عن ابن عباس ، أنه قال : لا حصر إلا حصر العدو ، فأما من أصابه مرض أو وضع أو ضلال فليس عليه شيء ، إنما قال اللّه تعالى : فَإِذا أَمِنْتُمْ فليس الأمن حصرا ، قال : وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك ، والقول الثاني : إن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال ، وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك ، قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا حجاج بن الصواف عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « من كسر أو وجع أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى » قال : فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا : صدق ، وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به ، وفي رواية لأبي داود وابن ماجة : من عرج أو كسر أو مرض ، فذكر معناه . ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة ، عن إسماعيل بن علية ، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف به ، ثم قال : وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان : الإحصار من عدو أو مرض أو كسر وقال الثوري : الإحصار من كل شيء آذاه وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، فقالت : يا رسول اللّه إني أريد الحج وأنا شاكية ، فقال « حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني » ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله ، فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث ، وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث ، قال البيهقي وغيره من الحفاظ : وقد صح وللّه الحمد . وقوله فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قال الإمام مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب ، أنه كان يقول : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شاة ، وقال ابن عباس : الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن ، وقال الثوري عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
--> ( 1 ) المسند ( ج 3 ص 450 )