ابن كثير

390

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وغيرهم « 1 » ، لما سار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، معتمرا في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين ، في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل ، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان من المسلمين ، وأقصه اللّه منهم ، فنزلت في ذلك هذه الآية الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ . وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللّه ، قال : لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يغزو في الشهر الحرام ، إلا أن يغزى ويغزوا ، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ . هذا إسناد صحيح . ولهذا لما بلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو مخيم بالحديبية أن عثمان قتل ، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين ، بايع أصحابه وكانوا ألفا وأربعمائة تحت الشجرة ، على قتال المشركين ، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل ، كف عن ذلك وجنح إلى المسالمة والمصالحة ، فكان ما كان . وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين ، وتحصن فلّهم « 2 » بالطائف ، عدل إليها فحاصرها ، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق ، واستمر عليه إلى كمال أربعين يوما كما ثبت في الصحيحين عن أنس ، فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح ، ثم كر راجعا إلى مكة واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين ، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضا ، عام ثمان صلوات اللّه وسلامه عليه . وقوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ أمر بالعدل حتى في المشركين ، كما قال : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [ النحل : 126 ] وقال : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس أن قوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد ، ثم نسخ بآية القتال بالمدينة ، وقد رد هذا القول ابن جرير « 3 » ، وقال : بل الآية مدنية بعد عمرة القضية وعزا ذلك إلى مجاهد رحمه اللّه . وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أمر لهم بطاعة اللّه وتقواه ، وإخباره بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 195 ] وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) قال البخاري : حدثنا إسحاق أخبرنا النضر ، أخبرنا شعبة عن سليمان ، سمعت أبا وائل عن حذيفة وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال : نزلت في النفقة ، ورواه ابن

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 2 / 202 - 203 . ( 2 ) فلّهم : أي المنهزمون منهم والجمع فلول . ( 3 ) تفسير الطبري 2 / 205 .