ابن كثير
39
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
كذلك « 1 » لا تصل بذكر المرحوم وقد قال وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 43 ] وحكى ابن الأنباري في الزاهر عن المبرد أن الرحمن : اسم عبراني ليس بعربي . وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن : وقال أحمد بن يحيى : الرحيم عربي والرحمن عبراني ، فلهذا جمع بينهما . قال أبو إسحاق : وهذا القول مرغوب عنه . وقال القرطبي : والدليل على أنه مشتق « 2 » ما خرّجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « قال اللّه تعالى : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته » قال : وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق ، قال : وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم باللّه وبما وجب له ، قال القرطبي : ثم قيل هما بمعنى واحد كندمان ونديم قاله أبو عبيدة ، وقيل : ليس بناء فعلان كفعيل ، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك : رجل غضبان للرجل الممتلئ غضبا ، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول « 3 » ، قال أبو علي الفارسي : الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به اللّه تعالى ، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين [ كما ] قال اللّه تعالى : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً وقال ابن عباس : هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أكثر رحمة ، ثم حكي « 4 » عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة وقالوا لعله أرفق « 5 » كما في الحديث « إن اللّه رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف » وقال ابن المبارك : الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل غضب . وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من لم يسأل اللّه يغضب عليه » وقال بعض الشعراء : [ الكامل ] اللّه يغضب ان تركت سؤاله * وبنيّ آدم حين يسأل يغضب « 6 » وقال ابن جرير « 7 » : حدثنا السري بن يحيى التميمي حدثنا عثمان بن زفر قال : سمعت
--> ( 1 ) أي : « لو كان مشتقا من الرحمة » كما هي عبارة القرطبي . ( 2 ) هو قول ابن الحصار يشير إلى ما خرّجه الترمذي ، نقله القرطبي ( 1 / 104 ) ( 3 ) وأورد القرطبي شاهدا على هذا قول عملّس بن عقيل : فأما إذا عضّت بك الحرب عضّة * فإنك معطوف عليك رحيم وأضاف : فالرحمن خاصّ الاسم عام الفعل ، الرحيم عام الاسم خاصّ الفعل هذا قول الجمهور . ( 4 ) أي القرطبي ( 1 / 106 ) ( 5 ) أي : لعل قول ابن عباس هو : « هما اسمان رفيقان ( بالفاء الموحدة ) أحدهما أرفق من الآخر » على نحو ما جاء في القرطبي نقلا عن الحسين بن الفضل البجلي . قال : لأن الرقّة ليست من صفات اللّه تعالى في شيء ، والرفق من صفاته عز وجل . وبهذا المعنى نقل عن الخطابي . ( 6 ) البيت بلا نسبة أيضا في القرطبي 1 / 106 . ( 7 ) تفسير الطبري 1 / 84 .