ابن كثير
388
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فيما لا يليق بهم ، أسخطوا اللّه عليهم بسبب هذا الاعتداء . والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا . ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال ، نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر باللّه والشرك به والصد عن سبيله ، أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل ، ولهذا قال : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ قال أبو مالك : أي ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل . ولهذا قال : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ، يقول الشرك أشد من القتل . وقوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كما جاء في الصحيحين « إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، ولم يحل إلا ساعة من نهار وإنها ساعتي هذه ، حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، لا يعضد شجره ولا يختلي خلاه ، فإن أحد ترخص بقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقولوا إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم » ، يعني بذلك صلوات اللّه وسلامه عليه قتاله أهله يوم فتح مكة ، فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم عند الخندمة « 1 » ، وقيل صلحا لقوله « من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن » . وقوله : حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ يقول تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه ، فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا للصيال ، كما بايع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال ، لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ ، ثم كف اللّه القتال بينهم فقال وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [ الفتح : 24 ] وقال وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ، لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً [ الفتح : 25 ] . وقوله : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة ، فإن اللّه يغفر ذنوبهم ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم اللّه فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه ، ثم أمر اللّه بقتال الكفار حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ، أي شرك قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ أي يكون دين اللّه هو الظاهر العالي على سائر الأديان ، كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : سئل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل اللّه ؟ فقال : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه » وفي الصحيحين « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ، فإذا قالوها عصموا
--> ( 1 ) الخندمة : جبل بمكة .