ابن كثير
385
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا : لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم . وقد ورد في الصحيحين « 1 » عن أم سلمة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له ، فمن قضيت له بحق مسلم ، فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها » فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر ، فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حرام ، ولا يحرم حلالا هو حلال وإنما هو ملزم في الظاهر ، فإن طابق في نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره ، ولهذا قال تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم . قال قتادة : اعلم يا ابن آدم إن قضاء القاضي لا يحل لك حراما ولا يحق لك باطلا ، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود ، والقاضي بشر يخطئ ويصيب ، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع اللّه بينهما يوم القيامة ، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 189 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 ) قال العوفي عن ابن عباس : سأل الناس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الأهلة ، فنزلت هذه الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم . وقال أبو جعفر « 2 » عن الربيع ، عن أبي العالية : بلغنا أنهم قالوا : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم خلقت الأهلة ؟ فأنزل اللّه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ يقول جعلها اللّه مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة نسائهم ومحل دينهم « 3 » ، كذا روي عن عطاء والضحاك وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك ؛ وقال عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « جعل اللّه الأهلة مواقيت للناس ، فصوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما » ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن أبي رواد به ، وقال : كان ثقة عابدا مجتهدا شريف النسب فهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه ، قال : قال رسول اللّه : « جعل اللّه الأهلة ، فإذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين » وكذا روي من
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( مظالم باب 16 ، وأحكام باب 29 و 31 ) وصحيح مسلم ( أقضية حديث 5 ) ( 2 ) تفسير الطبري 2 / 191 . ( 3 ) في الطبري : « وحلّ ديونهم » .