ابن كثير
37
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
للّه در الغانيات المدّه * سبّحن واسترجعن من تألّهي « 1 » فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر وهو التأله ، من أله يأله إلاهة وتألها ، كما روي أن ابن عباس قرأ : ( ويذرك وآلهتك ) قال : عبادتك ، أي أنه كان يعبد ولا يعبد وكذا قال مجاهد وغيره . وقد استدل بعضهم على كونه مشتقا بقوله تعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [ الأنعام : 3 ] كما قال تعالى وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] ونقل سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل فعال فأدخلت الآلف واللام بدلا من الهمزة . قال سيبويه : مثل الناس ، أصله أناس ، وقيل أصله الكلمة لاه فدخلت الألف واللام للتعظيم ، وهذا اختيار سيبويه . قال الشاعر : [ البسيط ] لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب * عني ولا أنت ديّاني فتخزوني « 2 » قال القرطبي « 3 » : بالخاء أي فتسوسني . وقال الكسائي والفراء : أصله الإله « 4 » حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية [ فصارتا لاما مشدّدة ] « 5 » كما قال تعالى : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [ الكهف : 38 ] أي لكن أنا وقد قرأها كذلك الحسن ، قال القرطبي : ثم قيل هو مشتق من وله إذا تحير ، والوله ذهاب العقل يقال : رجل واله وامرأة والهة ووالة ، وماء مولّه إذا أرسل في الصحراء ، فاللّه تعالى تتحيّر الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته « 6 » فعلى هذا يكون أصل إلاه ولاه فأبدلت الواو همزة كما قالوا في وشاح إشاح ووسادة إسادة . وقال الرازي وقيل إنه مشتق من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره ، والأرواح
--> ( 1 ) يقال : مدهه يمدهه مدها : مدحه ، وهو مادة . والرجز لرؤبة في ديوانه ص 166 ؛ ولسان العرب ( سبح ، جله ، وهده ، مده ) ؛ وخزانة الأدب 6 / 391 ؛ وشرح المفصل 4 / 81 ؛ وتهذيب اللغة 6 / 430 ؛ وجمهرة اللغة ص 43 ؛ ومقاييس اللغة 1 / 127 ؛ وديوان الأدب 2 / 464 ؛ وكتاب العين 4 / 32 ؛ وتاج العروس ( أله ، مده ) ؛ والطبري 1 / 82 . ( 2 ) البيت لذي الإصبع العدواني في أدب الكاتب ص 513 ؛ والأزهية ص 279 ؛ وإصلاح المنطق ص 373 ؛ والأغاني 3 / 108 ؛ وأمالي المرتضى 1 / 252 ؛ وجمهرة اللغة ص 596 ؛ وخزانة الأدب 7 / 173 ؛ والدرر 4 / 143 ؛ وسمط اللآلي ص 289 ؛ وشرح التصريح 2 / 15 ؛ ولسان العرب ( فضل ، دين ، عنن ، لوه ، خزا ) ؛ والمؤتلف والمختلف ص 118 ؛ ومغني اللبيب 1 / 147 ؛ والمقاصد النحوية 3 / 286 ؛ ولكعب الغنوي في الأزهية ص 97 . ( 3 ) تفسير القرطبي 1 / 12 . وابن كثير ينقل هنا عن القرطبي ابتداء من قوله « ونقل سيبويه عن الخليل » إلى قوله : « كما قالوا في وشاح : إشاح ، ووسادة : إسادة » . ( 4 ) عبارة القرطبي : « قال الكسائي والفراء : معنى ( بسم اللّه ) بسم الإله » . ( 5 ) الزيادة من القرطبي . ( 6 ) عبارة الأصل : « فاللّه تعالى يحيّر أولئك والفكر في حقائق صفاته » . وما أثبتناه هو عبارة القرطبي ( 1 / 102 ) . والعبارتان لا تخلوان من اضطراب .