ابن كثير
358
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ المائدة : 45 ] ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة ، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة ، فأنزل اللّه : النفس بالنفس والعين بالعين ، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس ، وجعل العبيد مستويين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم ، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله النفس بالنفس . [ مسألة ] ذهب أبو حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة ، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود ، وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم ، قال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه : ويقتل السيد بعبده ، لعموم حديث الحسن عن سمرة « ومن قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه ، ومن خصاه خصيناه » وخالفهم الجمهور فقالوا : لا يقتل الحر بالعبد ، لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم يجب فيه دية ، وإنما تجب فيه قيمته ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق الأولى ، وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر ، لما ثبت في البخاري عن علي ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ولا يقتل مسلم بكافر » ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا ، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة . [ مسألة ] قال الحسن وعطاء : لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية ، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ولقوله عليه السلام : « المسلمون تتكافأ دماؤهم » وقال الليث : إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة . [ مسألة ] ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد ، قال عمر في غلام : قتله سبعة فقتلهم ، وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم . ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة ، وذلك كالإجماع ، وحكي عن الإمام أحمد رواية : أن الجماعة لا يقتلون بالواحد ، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة ، وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت ، ثم قال ابن المنذر : وهذا أصح ، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة ، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه ، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر . وقوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، وكذا روي عن أبي العالية وأبي الشعثاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وقال الضحاك عن ابن عباس : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ يعني : فمن ترك له من أخيه شيء يعني أخذ الدية بعد استحقاق الدم ، وذلك العفو ، فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ يقول : فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية ، وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ يعني من