ابن كثير

352

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية « 1 » : سمعت عباد بن شرحبيل الغبري قال : أصابتنا عاما مخمصة ، فأتيت المدينة ، فأتيت حائطا « 2 » ، فأخذت سنبلا ففركته وأكلته ، وجعلت منه في كسائي ، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي ، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته ، فقال للرجل « ما أطعمته إذ كان جائعا ، ولا ساغيا ولا علمته إذ كان جاهلا » فأمره فرد إليه ثوبه ، فأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق ، إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة ، من ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الثمر المعلق ، فقال « من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خبنة « 3 » ، فلا شيء عليه » الحديث . وقال مقاتل بن حيان في قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : فيما أكل من اضطرار ، وبلغنا ، واللّه أعلم . أنه لا يزاد على ثلاث لقم ، وقال سعيد بن جبير : غفور لما أكل من الحرام ، رحيم إذ أحل له الحرام في الاضطرار ، وقال وكيع : أخبرنا الأعمش عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال : من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات ، دخل النار ، وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة . قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال : وهذا هو الصحيح عندنا ، كالإفطار للمريض ونحو ذلك « 4 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 174 إلى 176 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) يقول تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة ، فكتموا ذلك لئلا تذهب رئاستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم ، فخشوا - لعنهم اللّه - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم ، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير ، فباعوا أنفسهم بذلك واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن اللّه ، بذلك النزر اليسير ، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فإن اللّه أظهر لعباده صدق رسوله بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات ، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه ، وصاروا عونا له على قتالهم ، وباءوا بغضب على غضب ،

--> ( 1 ) في القرطبي : « حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس » وقد أخرجه ابن ماجة بإسنادين . ( 2 ) الحائط : البستان ، سمي كذلك لأنه يجعل من حوله حائط . ( 3 ) الخبنة : ما يحمله الإنسان في حضنه أو تحت إبطه . ( 4 ) انظر تفسير القرطبي 2 / 233 - 234 .