ابن كثير

350

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 172 إلى 173 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى ، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده ، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة ، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة . كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو النضر ، حدثنا الفضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أيها الناس إن اللّه طيب لا يقبل إلا طيبا وإن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [ المؤمنون : 51 ] ، وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ثم يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام ، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ؟ » ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من ذلك حديث فضيل بن مرزوق . ولما امتن تعالى عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه ، ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة ، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية وسواء كانت منخنقة أو موقوذة « 2 » أو متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع ، وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [ المائدة : 96 ] على ما سيأتي إن شاء اللّه ، وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله عليه السلام في البحر « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » . وروى الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعا « أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال » وسيأتي تقرير ذلك إن شاء اللّه في سورة المائدة . [ مسألة ] ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره . لأنه جزء منها . وقال مالك في رواية : هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة ، وكذلك إنفحة الميتة فيها الخلاف والمشهور عندهم أنها نجسة ، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس ، فقال القرطبي « 3 » في التفسير هاهنا يخالط اللبن منها يسير ، ويعف عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع . وقد روى ابن ماجة « 4 » من حديث سيف بن هارون عن سليمان التميمي ، عن أبي عثمان

--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 2 ص 328 ) ( 2 ) الموقوذة : التي ضربت بالعصا حتى ماتت . ( 3 ) تفسير القرطبي 2 / 216 . ( 4 ) سنن ابن ماجة ( أطعمة باب 60 )