ابن كثير

35

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

منها عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا أتيت أهلك فسم اللّه فإنه إن وجد لك ولد كتب بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات » وهذا لا أصل له ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها ، وهكذا تستحب عند الأكل لما في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لربيبه عمر بن أبي سلمة : « قل بسم اللّه وكل بيمينك وكل مما يليك » ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه وكذلك تستحب عند الجماع لما في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : بسم اللّه اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا » . ومن هاهنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء في قولك بسم اللّه هل هو اسم أو فعل متقاربان ، وكل قد ورد به القرآن ، أما من قدره بسم تقديره بسم اللّه ابتدائي فلقوله تعالى : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ هود : 41 ] ومن قدره بالفعل أمرا أو خبرا نحو أبدأ بسم اللّه أو ابتدأت باسم اللّه فلقوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] وكلاهما صحيح فإن الفعل لا بد له من مصدر فلك أن تقدر الفعل ومصدره وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله إن كان قياما أو قعودا أو أكلا أو شرابا أو قراءة أو وضوءا أو صلاة فالمشروع ذكر اسم اللّه في الشروع في ذلك كله تبركا وتيمنا واستعانة على الإتمام والتقبل واللّه أعلم ، ولهذا روى ابن جرير « 1 » وابن أبي حاتم من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال : إن أول ما نزل به جبريل على محمد صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يا محمد قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال : قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * قال : قال له جبريل [ قل ] بسم اللّه يا محمد ، يقول : اقرأ بذكر اللّه ربك وقم واقعد بذكر اللّه تعالى » لفظ ابن جرير . وأما مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره ففيها للناس ثلاثة أقوال : أحدها أن الاسم هو المسمى ، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه ، واختاره الباقلاني وابن فورك ، وقال الرازي وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب الري في مقدمات تفسيره : قالت الحشوية والكرامية والأشعرية : الاسم نفس المسمى وغير نفس التسمية ، وقالت المعتزلة : الاسم غير المسمى ونفس التسمية ، والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية . ثم نقول إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة ، فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى ، فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات وهو عبث ، فثبت أن الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث ، ثم شرع « 2 » يستدل على مغايرة الاسم للمسمى ، بأنه قد يكون الاسم موجودا والمسمى مفقودا كلفظة المعدوم وبأنه

--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 78 . ( 2 ) أي الرازي .