ابن كثير

338

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى - لما يرون من ثواب الشهادة - فيقول الرب جل جلاله : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 1 » عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه » ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضا وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفا وتكريما وتعظيما . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 155 إلى 157 ] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 ) أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده ، أي يختبرهم ويمتحنهم كما قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ محمد : 31 ] فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع كما قال تعالى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : 112 ] فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه ، ولهذا قال لباس الجوع والخوف . وقال هاهنا : بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ أي بقليل من ذلك وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي ذهاب بعضها وَالْأَنْفُسِ كموت الأصحاب والأقارب والأحباب وَالثَّمَراتِ أي لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها . قال بعض السلف : فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة ، وكل هذا وأمثاله مما يختبر اللّه به عباده فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه ، ولهذا قال تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف هاهنا خوف اللّه ، وبالجوع صيام رمضان ، وبنقص الأموال الزكاة ، والأنفس الأمراض ، والثمرات الأولاد ، وفي هذا نظر ، واللّه أعلم . ثم بين تعالى من الصابرين الذين شكرهم فقال : الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أي تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم وعلموا أنهم ملك للّه يتصرف في عبيده بما يشاء ، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة . ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك ، فقال : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ أي ثناء من اللّه عليهم . قال سعيد بن جبير : أي أمنة من العذاب وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : نعم العدلان ونعمت العلاوة أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ فهذان العدلان وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ فهذه العلاوة وهي ما توضع بين العدلين وهي زيادة في الحمل فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم

--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 3 ص 455 )