ابن كثير

335

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس وقتادة والسدي نحو هذا ، وقال هؤلاء في قوله إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني مشركي قريش . ووجه بعضهم حجة الظلمة وهي داحضة ، أن قالوا : إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم ، فلم يرجع عنه والجواب أن اللّه تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس ، أولا لما له تعالى في ذلك من الحكمة ، فأطاع ربه تعالى في ذلك ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي الكعبة ، فامتثل أمر اللّه في ذلك أيضا ، فهو صلوات اللّه وسلامه عليه مطيع للّه في جميع أحواله لا يخرج عن أمر اللّه طرفة عين وأمته تبع له . وقوله ، فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي أي لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين وأفردوا الخشية لي ، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه ، وقوله : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عطف على لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ، أي ، لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة ، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي إلى ما ضلت عنه الأمم هديناكم إليه وخصصناكم به ، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأمم وأفضلها . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 151 إلى 152 ] كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 ) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) يذكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم يتلو عليهم آيات اللّه مبينات ، ويزكيهم ، أي يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويعلمهم الكتاب ، وهو القرآن ، والحكمة وهي السنة ، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ، فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالعقول الغراء ، فانتقلوا ببركة رسالته ، ويمن سفارته ، إلى حال الأولياء ، وسجايا العلماء . فصاروا أعمق الناس علما ، وأبرهم قلوبا ، وأقلهم تكلفا ، وأصدقهم لهجة . وقال تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ [ آل عمران : 164 ] ، وذمّ من لم يعرف قدر هذه النعمة ، فقال تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ [ إبراهيم : 28 ] قال ابن عباس : يعني بنعمة اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولهذا ندب اللّه المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره ، وقال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ . قال مجاهد ، في قوله : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يقول : كما فعلت فاذكروني ، قال عبد اللّه بن وهب : عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام قال : يا رب كيف أشكرك ؟ قال له ربه : « تذكرني ولا تنساني ، فإذا ذكرتني فقد شكرتني ، وإذا نسيتني فقد كفرتني » قال الحسن البصري وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس : أن اللّه يذكر من ذكره ويزيد من شكره