ابن كثير

326

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر ، وقال : كنت أنا وصاحبي أول من صلّى إلى الكعبة . وذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم : أن تحويل القبلة نزل على رسول اللّه وقد صلى ركعتين من الظهر ، وذلك في مسجد بني سلمة ، فسمي مسجد القبلتين ، وفي حديث نويلة بنت مسلم : أنهم جاءهم الخبر بذلك وهم في صلاة الظهر ، قالت : فتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال ، ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ، وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر اليوم الثاني ، كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، أنه قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح ، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة . وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به ، وإن تقدم نزوله وإبلاغه ، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء ، واللّه أعلم . ولما وقع هذا ، حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب ، وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك ، وقالوا ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها أي قالوا : ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا وتارة يستقبلون كذا ؟ فأنزل اللّه جوابهم في قوله قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي الحكم والتصرف والأمر كله للّه فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] و لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [ البقرة : 177 ] أي الشأن كله في امتثال أوامر اللّه ، فحيثما وجهنا توجهنا ، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة : فنحن عبيده وفي تصرفه ، وخدامه حيثما وجهنا توجهنا ، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد صلوات اللّه وسلامه عليه وأمته عناية عظيمة إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن ، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له أشرف بيوت اللّه في الأرض ، إذ هي بناء إبراهيم الخليل عليه السلام ولهذا قال : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وقد روى الإمام أحمد « 1 » عن علي بن عاصم عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمرو « 2 » بن قيس ، عن محمد بن الأشعث ، عن عائشة ، قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، يعني في أهل الكتاب : « إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا اللّه لها وضلوا عنها ، وعلى القبلة التي هدانا اللّه لها وضلوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين » . وقوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً يقول تعالى : إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام ، واخترناها لكم

--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 6 ص 135 ) ( 2 ) في المسند « عمر » .