ابن كثير

317

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وسلامه عليه رسولا في الأميين إليهم وإلى سائر الأعجميين من الإنس والجن ، كما قال الإمام أحمد « 1 » : أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح ، عن سعيد بن سويد الكلبي ، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي ، عن العرباض بن سارية ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إني عبد اللّه لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك ، دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يرين » وكذلك رواه ابن وهب والليث وكاتبه عبد اللّه بن صالح عن معاوية بن صالح وتابعه أبو بكر بن أبي مريم عن سعيد بن سويد به . وقال الإمام أحمد « 2 » أيضا : أخبرنا أبو النضر ، أخبرنا الفرج ، أخبرنا لقمان بن عامر ، قال : سمعت أبا أمامة قال : قلت يا رسول اللّه : ما كان أول بدء أمرك ؟ قال « دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى بي . ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام » . والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم عليه السلام ، ولم يزل ذكره في الناس مذكورا مشهورا سائر حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبا ، وهو عيسى ابن مريم عليه السلام ، حيث قام في بني إسرائيل خطيبا ، وقال إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] ولهذا قال في هذا الحديث دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى بن مريم . وقوله : ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ، قيل كان مناما رأته حين حلمت به ، وقصته على قومها ، فشاع فيهم واشتهر بينهم ، وكان ذلك توطئة ؛ وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام ، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله ، وبها ينزل عيسى بن مريم إذ نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها ، ولهذا جاء في الصحيحين « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه وهم كذلك » وفي صحيح البخاري « وهم بالشام » . قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يعني أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقيل له : قد استجيب لك ، وهو كائن في آخر الزمان ، وكذا قال السدي وقتادة ، وقوله تعالى : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني القرآن ، وَالْحِكْمَةَ يعني السنة ، قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك وغيرهم ، وقيل : الفهم في الدين ولا منافاة ، وَيُزَكِّيهِمْ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني طاعة اللّه وقال محمد بن إسحاق وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ قال الخير فيفعلوه والشر فيتقوه ، ويخبرهم برضا اللّه عنهم إذا أطاعوه ليستكثروا من طاعته ويجتنبوا ما يسخطه من معصيته .

--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 4 ص 127 ) ( 2 ) مسند أحمد ( ج 5 ص 262 )