ابن كثير
304
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
نحن بشر ، نحن في ضيق وشدة ، فشكت إليه ، قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ، وقولي له يغير عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل ، كأنه أنس شيئا ، فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم ، جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألنا عنك فأخبرته ، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أننا في جهد وشدة ، قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم ، أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول غير عتبة بابك ، قال : ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك ، فالحقي بأهلك ، وطلقها وتزوج منهم بأخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللّه ثم أتاهم بعد ، فلم يجده ، فدخل على امرأته فسألها عنه ، فقالت : خرج يبتغي لنا ، قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بخير وسعة ، وأثنت على اللّه عز وجل ، قال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم ، قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماء . قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم لدعا لهم فيه » قال : فهما لا يخلو « 1 » عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه ، قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم ، أتانا شيخ حسن الهيئة ، وأثنت عليه ، فسألني عنك فأخبرته ، فسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير ، قال : فأوصاك بشيء ؟ قالت : نعم ، وهو يقرأ عليك السلام ، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك ، قال : ذاك أبي وأنت العتبة ، أمرني أن أمسكك ، ثم لبث عنهم ما شاء اللّه ، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، وصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ، ثم قال : يا إسماعيل ، إن اللّه أمرني بأمر ، قال : فاصنع ما أمرك ربك ، قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك ، قال : فإن اللّه أمرني أن أبني هاهنا بيتا ، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها ، قال : فعند ذلك رفعا القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له ، فقام عليه ، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ، وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، قال : فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق بن مطولا ، ورواه ابن أبي حاتم عن أبي عبد اللّه بن حماد الطبراني ، وابن جرير عن أحمد بن ثابت الرازي ، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرا . وقال أبو بكر بن مردويه : أخبرنا إسماعيل بن علي ، أخبرنا بشر بن موسى ، أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقي ، أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن عبد الملك بن جريج ، عن كثير بن كثير ، قال : كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان وعبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير في أعلى المسجد ليلا ، فقال سعيد بن جبير : سلوني قبل أن لا تروني ، فسألوه عن المقام ، فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس ، فذكر الحديث بطوله . ثم قال البخاري : حدثنا عبد اللّه بن محمد ، أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ، أخبرنا
--> ( 1 ) خلا على طعام كذا وكذا : اقتصر عليه .