ابن كثير

301

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فجعلوا ذلك من تمام دعاء « 1 » إبراهيم ، كما رواه أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال : كان ابن عباس يقول ذلك قول إبراهيم ، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا . وقال أبو جعفر عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا يقول ، ومن كفر فأرزقه قليلا أيضا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . قال محمد بن إسحاق : لما عزل إبراهيم الدعوة أبى اللّه أن يجعل له الولاية - انقطاعا إلى اللّه ومحبته ، وفراقا لمن خالف أمره وإن كانوا من ذريته ، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا يناله عهده بخبر اللّه له بذلك ، قال اللّه تعالى : ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا . وقال حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط ، عن عمار الدهني ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله تعالى : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قال ابن عباس : كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس فأنزل اللّه : ومن كفر أيضا أرزقهم كما أرزق المؤمنين ، أأخلق خلقا لا أرزقهم ؟ أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير ، ثم قرأ ابن عباس كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [ الإسراء : 20 ] رواه ابن مردويه ، وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضا . وهذا كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ [ يونس : 70 ] وقوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ [ لقمان : 23 - 24 ] وقوله : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ . وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ . وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 33 - 34 - 35 ] . وقوله : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير ، ومعناه أن اللّه تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر كقوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [ الحج : 48 ] وفي الصحيحين « لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم » وفي الصحيح أيضا « إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » ثم قرأ قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : 102 ] وقرأ بعضهم قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا الآية ، جعله من تمام دعاء إبراهيم وهي قراءة شاذة مخالفة

--> ( 1 ) أي قراءة « وأمتعه » بتخفيف التاء المكسورة وجزم العين ، بصيغة الطلب . وكذلك « ثم اضطرّه » على سبيل الطلب .