ابن كثير
30
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الأعراف : 200 ] وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ . وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [ المؤمنون : 96 - 98 ] وقال تعالى في سورة حم السجدة : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ فصلت : 34 - 36 ] . والشيطان في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعد ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر وبعيد بفسقه عن كل خير ، وقيل مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار ، ومنهم من يقول : كلاهما صحيح في المعنى ولكن الأول أصح ، وعليه يدل كلام العرب ؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان عليه السلام : [ الخفيف ] أيّما شاطن عصاه عكاه * ثم يلقى في السجن والأغلال « 1 » فقال أيما شاطن ولم يقل أيّما شائط . وقال النابغة الذبياني وهو زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذبيان : [ الوافر ] نأت بسعاد عنك نوى شطون * فباتت والفؤاد به رهين « 2 » يقول : بعدت بها طريق بعيدة وقال سيبويه : العرب تقول تشيطن فلان إذا فعل فعل الشياطين ولو كان من شاط لقالوا تشيط فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح ، ولهذا يسمون كل من تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانا . قال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [ الأنعام : 112 ] وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يا أبا ذر « تعوذ باللّه من شياطين الإنس والجن » فقلت أو للإنس شياطين ؟ قال : « نعم » . وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضا قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود » فقلت : يا رسول اللّه ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر ؟ فقال : « الكلب الأسود شيطان » . وقال ابن وهب : أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ركب برذونا « 3 » فجعل
--> ( 1 ) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص 51 ؛ وجمهرة اللغة ص 947 ؛ وكتاب الجيم 2 / 292 ؛ وتاج العروس ( عكا ) ؛ والطبري 1 / 76 ؛ ولسان العرب ( شطن ، عكا ) ؛ وتهذيب اللغة 3 / 40 ؛ ومقاييس اللغة 3 / 185 ، ويروى أيضا : « ثم يلقى في الغلّ والإكبال » . وعكاه : شدّه في الحديد . ( 2 ) البيت للنابغة في ديوانه ص 218 ؛ ولسان العرب ( شطن ) ؛ ومقاييس اللغة 3 / 184 ؛ والطبري 1 / 76 ؛ ولزياد بن معاوية في تاج العروس ( نبغ ) ؛ وبلا نسبة في مجمل اللغة 3 / 156 . ( 3 ) البرذون : يطلق على غير العربي من الخيل والبغال . وهو عظيم الخلقة غليظ الأعضاء قوي الأرجل عظيم الحوافر .