ابن كثير

299

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وعن أبي سعيد رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما ، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها « 1 » ، أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف ، اللهم بارك لنا في مدينتنا ، اللهم بارك لنا في صاعنا ، اللهم بارك لنا في مدنا ، اللهم اجعل مع البركة بركتين » الحديث ، رواه مسلم . والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة ، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم عليه السلام لمكة ، لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة . وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل ، وقيل : إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض ، وهذا أظهر وأقوى ، واللّه يعلم . وقد وردت أحاديث أخر تدل على أن اللّه تعالى حرم مكة قبل خلق السماوات والأرض كما جاء في الصحيحين عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة « إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلى خلاها » « 2 » فقال العباس : يا رسول اللّه : إلا الإذخر « 3 » ، فإنه لقينهم ولبيوتهم ، فقال : « إلا الإذخر » وهذا لفظ مسلم ، ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك ، ثم قال البخاري بعد ذلك : وقال أبان بن صالح ، عن الحسن بن مسلم ، عن صفية بنت شيبة : سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثله ، وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد اللّه بن ماجة عن محمد بن عبد اللّه بن نمير ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن الحسن بن مسلم بن يناق ، عن صفية بنت شيبة ، قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب عام الفتح ، فقال : « يا أيها الناس ، إن اللّه حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد » فقال العباس : إلا الإذخر ، فإنه للبيوت والقبور ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إلا الإذخر » وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيها الأمير أن أحادثك قولا قام به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الغد من يوم الفتح ، سمعته أذناي ، ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي حين تكلم به - إنه حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « إن مكة حرمها اللّه ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقولوا : إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم . وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب » فقيل لأبي

--> ( 1 ) المأزم : الطريق الضيق بين جبلين . ( 2 ) الخلا : النبات الرطب . لا يختلى : لا يقطع . ( 3 ) الإذخر : حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب .