ابن كثير
296
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
( قلت ) وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهو عزب ، وأما قوله تعالى : وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ فقال وكيع عن أبي بكر الهذلي ، عن عطاء عن ابن عباس : والركع السجود ، قال : إذا كان مصليا فهو من الركع السجود ، وكذا قال عطاء وقتادة . قال ابن جرير « 1 » رحمه اللّه : فمعنى الآية ، وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين ، والتطهير الذي أمرهما اللّه به في البيت هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك ، ثم أورد سؤالا فقال : فإن قيل : فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه ؟ وأجاب بوجهين : [ أحدهما ] أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان ، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما ، إذ كان اللّه تعالى قد جعل إبراهيم إماما يقتدى به ، كما قال عبد الرحمن بن زيد أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ قال : من الأصنام التي يعبدون ، التي كان المشركون يعظمونها ( قلت ) وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام ، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد صلّى اللّه عليه وسلم . [ الجواب الثاني ] أنه أمرهما أن يخلصا بناءه للّه وحده لا شريك له ، فيبنياه مطهرا من الشرك والريب ، كما قال جل ثناؤه : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ [ التوبة : 109 ] قال : فكذلك قوله : وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ أي ابنياه على طهر من الشرك بي والريب ، كما قال السدي أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ابنيا بيتي للطائفين ، وملخص هذا الجواب أن اللّه تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به ، والعاكفين عنده ، والمصلين إليه من الركع السجود ، كما قال تعالى : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [ الحج : 26 ] . وقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به ؟ فقال مالك رحمه اللّه ، الطواف به لأهل الأمصار أفضل . وقال الجمهور : الصلاة أفضل مطلقا ، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام ، والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون باللّه عند بيته المؤسس على عبادته وحده لا شريك له ، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الحج : 25 ] ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد اللّه وحده لا شريك له إما بطواف أو صلاة ، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة : قيامها وركوعها وسجودها ، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين ، واكتفى بذكر الركوع والسجود عن القيام ، لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام ، وفي ذلك أيضا رد على من لا يحجه من أهل
--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 587 .