ابن كثير
287
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ وأول من استحدّ ] « 1 » وأول من قلم أظفاره ، وأول من قص الشارب ، وأول من شاب فلما رأى الشيب ، قال : ما هذا ؟ قال : وقار ، قال : يا رب زدني وقارا . وذكر ابن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه قال : أول من خطب على المنابر إبراهيم عليه السلام ، قال غيره : وأول من برّد « 2 » البريد وأول من ضرب بالسيف ، وأول من استاك ، وأول من استنجى بالماء ، وأول من لبس السراويل ، وروي عن معاذ بن جبل قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم ، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم » ( قلت ) : هذا حديث لا يثبت ، واللّه أعلم . ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية . قال أبو جعفر بن جرير « 3 » ما حاصله : أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر وجائز أن يكون بعض ذلك ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع ، قال : ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له . قال : غير أنه قد روي عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في نظير معنى ذلك خبران أحدهما ما حدثنا به أبو كريب ، أخبرنا رشدين بن سعد ، حدثني زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس قال : كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ألا أخبركم لم سمى اللّه إبراهيم خليله ، الذي وفى ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى : سبحان اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [ الروم : 17 - 18 ] إلى آخر الآية » قال : والآخر : ما حدثنا به أبو كريب ، أخبرنا الحسن عن عطية ، أخبرنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم : 37 ] قال : « أتدرون ما وفى ؟ » قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : « وفّى عمل يومه أربع ركعات في النهار » ورواه آدم في تفسيره عن حماد بن سلمة وعبد بن حميد عن يونس بن محمد عن حماد بن سلمة عن جعفر بن الزبير به ، ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين ، وهو كما قال : فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما ، وضعفهما من وجوه عديدة ، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه ، واللّه أعلم . ثم قال ابن جرير : ولو قال قائل : إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبا لأن قوله : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً وقوله : وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [ البقرة : 125 ] ، وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر اللّه أنه ابتلى بهن إبراهيم ، ( قلت ) : والذي قاله أولا من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله لأن السياق يعطي غير ما قالوه ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) زيادة من القرطبي . ( 2 ) في القرطبي : « وأول من ثرّد الثريد » وهو الصواب . ( 3 ) تفسير الطبري 1 / 575 .