ابن كثير
272
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الكعبة بعد ، ولهذا يقول تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ : أخبرنا حجاج بن محمد أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء ، عن عطاء عن ابن عباس قال : أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا ، واللّه أعلم ، شأن القبلة . قال اللّه تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فاستقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ، ثم صرفه إلى بيته العتيق ونسخها . فقال وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 149 - 150 ] وقال « 1 » علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما هاجر إلى المدينة ، وكان أهلها اليهود ، أمره اللّه أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بضعة عشر شهرا ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحب قبلة إبراهيم ، وكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل اللّه قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [ البقرة : 149 ] إلى قوله فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 144 ] فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، فأنزل اللّه قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ البقرة : 142 ] ، وقال : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . وقال عكرمة عن ابن عباس فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال : قبلة اللّه أينما توجهت شرقا أو غربا ، وقال مجاهد فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة ، وقال ابن أبي حاتم بعد رواية الأثر المتقدم عن ابن عباس في نسخ القبلة عن عطاء عنه : وروي عن أبي العالية والحسن وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة والسدي وزيد بن أسلم نحو ذلك . وقال ابن جرير : وقال آخرون : بل أنزل اللّه هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة ، وإنما أنزلها ليعلم نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب ، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية ، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية ، لأن له تعالى المشارق والمغارب وأنه لا يخلو منه مكان كما قال تعالى : وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [ المجادلة : 7 ] ، قالوا : ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام هكذا قال . وفي قوله وأنه تعالى لا يخلو منه مكان ، إن أراد علمه تعالى فصحيح ، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات ، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . قال ابن جرير « 2 » وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذنا من اللّه أن يصلي المتطوع ، حيث توجه من شرق أو غرب ، في مسيره في سفره ، وفي حال المسايفة
--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 549 . ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 550 .