ابن كثير

265

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا ، فأنزل اللّه فيهما وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ الآية . وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ، في قوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ قال : هو كعب بن الأشرف ، وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبي أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري ، أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك ، عن أبيه أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا ، وكان يهجو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفيه أنزل اللّه وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ إلى قوله فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا . وقال الضحاك : عن ابن عباس ، أن رسولا أميا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات ، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم ، ولكنهم جحدوا ذلك كفرا وحسدا وبغيا ، ولذلك قال اللّه تعالى : كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ يقول من بعد ما أضاء لهم الحق ، لم يجهلوا منه شيئا ، ولكن الحسد حملهم على الجحود ، فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة ، وشرع لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين ، ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل اللّه عليهم ، وما أنزل من قبلهم ، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم . وقال الربيع بن أنس مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ من قبل أنفسهم ، وقال أبو العالية مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ، من بعد ما تبين أن محمدا رسول اللّه ، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، فكفروا به حسدا وبغيا ، إذ كان من غيرهم ، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس . وقوله : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، مثل قوله تعالى : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [ آل عمران : 186 ] ، قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله ، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، نسخ ذلك قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] ، وقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 29 ] ، إلى قوله وَهُمْ صاغِرُونَ [ التوبة : 29 ] ، فنسخ هذا عفوه عن المشركين ، وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي ، إنها منسوخة بآية السيف ، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله تعالى : حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي : أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب ، كما أمرهم اللّه ويصبرون على الأذى . قال اللّه تعالى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يتأول من العفو ما أمره اللّه به ، حتى أذن اللّه فيهم بالقتل ، فقتل اللّه به من قتل من صناديد قريش ، وهذا إسناده صحيح ولم أره في شيء من الكتب الستة ، ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد . وقوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ،