ابن كثير
263
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عن مثل ذلك ، فكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسائل وعابها ، ثم أنزل اللّه حكم الملاعنة ، ولهذا ثبت في الصحيحين ، من حديث المغيرة بن شعبة : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان ينهى عن قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال « 1 » . وفي صحيح مسلم « ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » « 2 » وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم ، « أن اللّه كتب عليهم الحج ، فقال رجل : أكلّ عام يا رسول اللّه ؟ فسكت عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثا ، ثم قال عليه السلام : « لا ، ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم » ، ثم قال « ذروني ما تركتكم » الحديث ، ولهذا قال أنس بن مالك : نهينا أن نسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيء ، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع . وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : أخبرنا أبو كريب ، أخبرنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي سنان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ، قال : إن كان ليأتي عليّ السنة ، أريد أن أسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الشيء ، فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى الأعراب . وقال البزار : أخبرنا محمد بن المثنى ، أخبرنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ - و - يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ - و يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى [ البقرة : 217 - 219 - 220 ] ، يعني هذا وأشباهه . وقوله تعالى : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أي بل تريدون ، أو هي على بابها في الاستفهام ، وهو إنكاري ، وهو يعلم المؤمنين والكافرين ، فإنه عليه السلام رسول اللّه إلى الجميع ، كما قال تعالى : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ ، فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [ النساء : 153 ] ، قال محمد بن إسحاق « 3 » : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس ، قال : قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد : يا محمد ، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه ، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك ، فأنزل اللّه من قولهم ، أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . وقال أبو جعفر الرازي « 4 » عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قال : قال رجل : يا رسول اللّه ، لو كانت كفارتنا ككفارات بني إسرائيل ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم لا نبغيها - ثلاثا - ما أعطاكم اللّه خير مما أعطى
--> ( 1 ) البخاري ( خصومات باب 3 ) ومسلم ( أقضية حديث 14 ) ( 2 ) مسلم ( حج حديث 411 ، وفضائل حديث 131 ) ( 3 ) تفسير الطبري 1 / 530 . ( 4 ) الأثر في الطبري 1 / 531 .