ابن كثير

253

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه ، لفطن الناظرون لكل ما يفعله ( قال ) وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعا من أنواع الخلل أشد ، كان العمل أحسن مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدا أو مظلم فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها والحالة هذه . ( قلت ) وقد قال بعض المفسرين : إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة ولهذا قال تعالى : فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف : 116 ] وقال تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ طه : 66 ] قالوا : ولم تكن تسعى في نفس الأمر ، واللّه أعلم . [ النوع الخامس من السحر ] : الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركبة على النسب الهندسية [ تارة وعلى ضروب الخيلاء أخرى ] « 1 » كفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد - ومنها الصور التي تصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان حتى يصورونها ضاحكة وباكية ، إلى أن قال : فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل ، قال : وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل ( قلت ) يعني ما قاله بعض المفسرين : إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي فحشوها زئبقا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها . قال الرازي : ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات ، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة قال : وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر لأن لها أسبابا معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها . ( قلت ) ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يرونهم إياه من الأنوار كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد القدس ، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام منهم . وأما الخواص فهم معترفون بذلك ، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم فيرون ذلك سائغا لهم . وفيهم شبهة على الجهلة الأغبياء من متعبدي الكرامية « 2 » الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب فيدخلون في عداد من قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيهم : « من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » وقوله : « حدثوا عني ولا تكذبوا عليّ فإنه من يكذب عليّ يلج النار » ثم ذكر هاهنا حكاية عن بعض الرهبان وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت ضعيف الحركة فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به ، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله وتوصل إلى أن جعله أجوف فإذا دخلته الريح يسمع منه صوت كصوت الطائر وانقطع في صومعة ابتناها وزعم أنها على قبر

--> ( 1 ) الزيادة من الرازي . ( 2 ) الكرامية : فرقة من أهل السنّة ، تنسب إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان وتوفي ببيت المقدس سنة 869 م . والكرامية مجسمون يذهبون إلى أن اللّه تعالى محدود من جهة العرش وأن شيئا لا يحدث في العالم قبل حدوث أعراض في ذاته .