ابن كثير
250
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الشافعي وأحمد بن حنبل « 1 » ، قالا : أخبرنا سفيان ، هو ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، أنه سمع بجالة بن عبدة يقول : كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة ، قال : فقتلنا ثلاث سواحر . وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضا ، وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها ، فأمرت بها ، فقتلت ، قال الإمام أحمد بن حنبل : صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قتل الساحر . وروى الترمذي « 2 » من حديث إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب الأزدي أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حد الساحر ضربه بالسيف » ثم قال : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث ، والصحيح عن الحسن عن جندب موقوفا . قلت : قد رواه الطبراني من وجه آخر عن الحسن عن جندب مرفوعا . واللّه أعلم . وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة ، كان عنده ساحر يلعب بين يديه فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه ، فقال الناس : سبحان اللّه يحيي الموتى ، ورآه رجل من صالحي المهاجرين ، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه وذهب يلعب لعبه ذلك ، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر ، وقال : إن كان صادقا فليحي نفسه ، وتلا قوله تعالى : أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [ الأنبياء : 3 ] ، فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك ، فسجنه ثم أطلقه ، واللّه أعلم . وقال الإمام أبو بكر الخلال : أخبرنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي أخبرنا يحيى بن سعيد ، حدثني أبو إسحاق عن حارثة قال : كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندي مشتملا على سيفه فقتله ، قال : أراه كان ساحرا ، وحمل الشافعي رحمه اللّه قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركا واللّه أعلم . [ فصل ] حكى أبو عبد اللّه الرازي في تفسيره « 3 » عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر ، قال : وربما كفروا من اعتقد وجوده ، قال : وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حمارا ، والحمار إنسانا إلا أنهم قالوا : إن اللّه يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم ، فلا ، خلافا للفلاسفة والمنجمين والصابئة ، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق اللّه تعالى بقوله تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ومن الأخبار بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سحر ، وأن السحر عمل فيه وبقصة تلك المرأة مع عائشة رضي اللّه عنها وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر قال : وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثير ، ثم قال بعد هذا : المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور - اتفق المحققون على ذلك لأن
--> ( 1 ) المسند ( ج 1 ص 190 ، 191 ) ( 2 ) سنن الترمذي ( حدود باب 27 ) ( 3 ) التفسير الكبير 3 / 194 .