ابن كثير
248
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله تعالى : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ابن عباس قال : فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي وقالا له : إنما نحن فتنة فلا تكفر ، وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان ، فعرفا أن السحر من الكفر ، قال : فإذا أبى عليهما أمراه يأتي مكان كذا وكذا ، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه ، فإذا تعلمه خرج منه النور ، فنظر إليه ساطعا في السماء فيقول : يا حسرتاه ، يا ويله ماذا صنع . وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية : نعم انزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد اللّه أن يبتلي به الناس ، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدا حتى يقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر ، رواه ابن أبي حاتم . وقال قتادة : كان أخذ عليهما ان لا يعلما أحدا حتى يقولا : إنما نحن فتنة أي بلاء ابتلينا به فلا تكفر . وقال السدي : إذا أتاهما إنسان يريد السحر وعظاه وقالا له : لا تكفر إنما نحن فتنة ، فإذا أبى قالا له : ائت هذا الرماد فبل عليه ، فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء وذلك الإيمان ، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه ، وكل شيء ، وذلك غضب اللّه ، فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر ، فذلك قول اللّه تعالى : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ الآية ، وقال سعيد عن حجاج عن ابن جريج في هذه الآية : لا يجترئ على السحر إلا كافر ، وأما الفتنة فهي المحنة والاختيار ، ومنه قول الشاعر : [ المتقارب ] وقد فتن الناس في دينهم * وخلى ابن عفان شرا طويلا « 1 » وكذلك قوله تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام حيث قال إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [ الأعراف : 155 ] أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [ الأعراف : 155 ] وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر ، واستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار ، حدثنا محمد بن المثنى ، أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش ، عن إبراهيم عن همام عن عبد اللّه قال : « من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم » وهذا إسناد صحيح وله شواهد أخر . وقوله تعالى : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ أي فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر وما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين ، مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف ، وهذا من صنيع الشياطين ، كما رواه مسلم في
--> ( 1 ) البيت للحتات بن يزيد المجاشعي عمّ الفرزدق في تاريخ الطبري 1 / 151 ( وفيه : لقد سفه الناس في دينهم . . . ) ؛ وهو منسوب لعلي بن الغدير بن المضرّس الغنوي أو لإهاب بن همام بن صعصعة أو لابن الغريرة النهشلي في أنساب الأشراف 5 / 104 ؛ ولابن الغريرة النهشلي في معجم الشعراء ص 349 ؛ والكامل للمبرد 2 / 34 ؛ وتاج العروس ( وبل )