ابن كثير
236
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك ؟ قالوا : نعم ، قالوا : فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه فاستشار به الإنس واستخرجوه وعملوا بها ، فقال أهل الحجاز : كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر فأنزل اللّه تعالى على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم براءة سليمان عليه السلام فقال تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا وقال محمد بن إسحاق بن يسار : عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام ، فكتبوا أصناف السحر ، من كان يحب أن يبلغ كذا فليفعل كذا وكذا حتى إذا صنفوا أصناف السحر ، جعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم على نقش خاتم سليمان وكتبوا في عنوانه : هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم . ثم دفنوه تحت كرسيه واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا فلما عثروا عليه قالوا : واللّه ما كان ملك سليمان إلا بهذا ، فأفشوا السحر في الناس فتعلموه وعلموه ، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم اللّه ، فلما ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما نزل عليه من اللّه سليمان بن داود وعده فيمن عد من المرسلين ، قال من كان بالمدينة من اليهود : ألا تعجبون من محمد يزعم أن ابن داود كان نبيا واللّه ما كان إلا ساحرا . وأنزل اللّه في ذلك من قولهم وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا الآية . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا القاسم : حدثنا حسين حدثنا الحجاج عن أبي بكر عن شهر بن حوشب ، قال : لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان ، فكتبت من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا ، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا ، فكتبته وجعلت عنوانه : هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود عليهما السلام من ذخائر كنوز العلم ثم دفنه تحت كرسيه ، فلما مات سليمان عليه السلام ، قام إبليس لعنه اللّه خطيبا فقال : يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبيا إنما كان ساحرا فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته ، ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه ، فقالوا : واللّه لقد كان سليمان ساحرا هذا سحره بهذا تعبدنا وبهذا قهرنا ، فقال المؤمنون : بل كان نبيا مؤمنا ، فلما بعث اللّه النبي محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وذكر داود وسليمان فقالت اليهود : انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل ، يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحرا يركب الريح ، فأنزل اللّه تعالى وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ الآية . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عمران بن حدير عن أبي مجلز قال : أخذ سليمان عليه السلام من كل دابة عهدا فإذا
--> ( 1 ) الطبري 1 / 495 - 496 . ( 2 ) الطبري 1 / 495 - 496 .