ابن كثير
232
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 99 إلى 103 ] وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ ( 99 ) أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 100 ) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 102 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 ) قال الإمام أبو جعفر بن جرير « 1 » في قوله تعالى : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ الآية ، أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات ، دالات على نبوتك ، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب اللّه من خفايا علوم اليهود ، ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل ، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة فأطلع اللّه في كتابه الذي أنزل على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه ولم يدعها إلى هلاكها الحسد والبغي ، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من الآيات البينات التي وصف من غير تعلم تعلمه من بشر ، ولا أخذ شيئا منه عن آدمي ، كما قال الضحاك عن ابن عباس وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ يقول : فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك ، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا ، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه ، يقول اللّه تعالى : في ذلك عبرة وبيان [ لهم ] « 2 » ، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون . وقال محمد بن إسحاق « 3 » : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال ابن صوريا الفطيوني لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا محمد ، ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل اللّه عليك من آية بينة فنتبعك ، فأنزل اللّه في ذلك من قوله وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ . وقال مالك بن الصيف « 4 » حين بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - وذكر لهم ما أخذ عليهم له من الميثاق وما عهد إليهم في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : واللّه ما عهد إلينا في محمد عهد ، وما أخذ علينا ميثاقا « 5 » ، فأنزل اللّه تعالى أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ . وقال الحسن البصري : في قوله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ قال : نعم ، ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه ، يعاهدون اليوم وينقضون غدا . وقال السدي : لا يؤمنون بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال قتادة : نبذه فريق منهم ، أي نقضه فريق منهم . وقال ابن جرير : أصل النبذ الطرح والإلقاء ، ومنه سمي اللقيط منبوذا ، ومنه سمي النبيذ ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء ، قال أبو الأسود الدؤلي : [ الطويل ]
--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 485 . ( 2 ) زيادة من الطبري . ( 3 ) سيرة ابن هشام 1 / 548 ؛ وتفسير الطبري 1 / 485 . ( 4 ) سيرة ابن هشام 1 / 547 . ( 5 ) في السيرة : « وما أخذ له علينا من ميثاق » .