ابن كثير

222

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وهذا كما دعا رسول اللّه وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة وعتوهم وعنادهم إلى المباهلة ، فقال : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [ آل عمران : 61 ] فلما رأوا ذلك ، قال بعض القوم لبعض : واللّه لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف ، فعند ذلك جنحوا للسلم ، وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، فضربها عليهم ، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح أمينا . ومثل هذا المعنى أو قريب منه قول اللّه تعالى لنبيه أن يقول للمشركين قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [ مريم : 75 ] أي من كان في الضلالة منا ومنكم فزاده اللّه مما هو فيه ومد له واستدرجه ، كما سيأتي تقريره في موضعه ، إن شاء اللّه تعالى . وأما من فسر الآية على معنى إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في دعواكم ، فتمنوا الآن الموت ، ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة ، كما قرره طائفة من المتكلمين وغيرهم ، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول ، فإنه قال « 1 » : القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ الآية ، فهذه الآية مما احتج اللّه سبحانه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره ، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم وذلك أن اللّه تعالى أمر نبيه [ أن يدعوهم ] « 2 » إلى قضية عادلة فيما كان بينه وبينهم من الخلاف ، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذ خالفوه في عيسى ابن مريم عليه السلام ، وجادلوه فيه إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة ، فقال لفريق اليهود : إن كنتم محقين فتمنوا الموت ، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من اللّه لكم « 3 » لكي يعطيكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم ، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها والفوز بجوار اللّه في جناته إن كان الأمر كما تزعمون ، من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا ، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون ونحن المحقون في دعوانا ، وانكشف أمرنا وأمركم لهم ، فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها ، أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها ، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها ، كما امتنع فريق النصارى الذين جادلوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في عيسى إذ دعوا للمباهلة من « 4 » المباهلة . فهذا الكلام منه أوله حسن ، وآخره فيه نظر ، وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل ، إذ يقال : إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم ، أنهم يتمنون

--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 468 . ( 2 ) الزيادة من الطبري . ( 3 ) عبارة الطبري : « بل إن أعطيتم أمنيتكم . . . » . ( 4 ) أي : كما امتنع فريق النصارى من المباهلة .