ابن كثير
219
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يا محمد ليهود بني إسرائيل إذا قلت لهم أمنوا بما أنزل اللّه ، قالوا : نؤمن بما أنزل علينا لم تقتلون - إن كنتم مؤمنين بما أنزل اللّه - أنبياء اللّه يا معشر اليهود وقد حرم اللّه في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم ، بل أمركم باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم ؟ وذلك من اللّه تكذيب لهم في قولهم : نؤمن بما أنزل علينا وتعيير لهم . وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ أي بالآيات الواضحات والدلائل القاطعات على أنه رسول اللّه ، وأنه لا إله إلا اللّه ، والآيات البينات هي : الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد ، وفلق البحر وتظليلهم بالغمام والمن والسلوى والحجر وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها ( ثم اتخذتم العجل ) أي معبودا من دون اللّه في زمان موسى وأيامه ، وقوله : من بعده ، أي من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة اللّه عز وجل ، كما قال تعالى : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [ الأعراف : 148 ] ، وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ، أي وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا اللّه كما قال تعالى : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 149 ] . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 93 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) يعدد سبحانه وتعالى عليهم خطأهم ، ومخالفتهم للميثاق ، وعتوهم وإعراضهم عنه ، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه ولهذا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وقد تقدم تفسير ذلك . وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قال عبد الرزاق ، عن معمر عن قتادة وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قال : أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم ، وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عصام بن خالد ، حدثني أبو بكر بن عبد اللّه بن أبي مريم الغساني ، عن خالد بن محمد الثقفي ، عن بلال بن أبي الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : قال « حبك الشيء يعمي ويصم » ورواه أبو داود عن حيوة بن شريح ، عن بقية ، عن أبي بكر بن عبد اللّه بن أبي مريم به ، وقال السدي : أخذ موسى عليه السلام العجل فذبحه بالمبرد « 2 » ، ثم ذراه في البحر ، ثم لم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء [ منه ] ، ثم قال لهم موسى ، اشربوا منه ، فشربوا ، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب ، فذلك حين يقول اللّه
--> ( 1 ) المسند ( ج 5 ص 194 ) ( 2 ) في الطبري 1 / 467 : « فذبحه ثم حرقه بالمبرد » . قال في لسان العرب : حرق الحديد بالمبرد : برده وحك بعضه ببعض .