ابن كثير
212
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ الآية . وقال أسباط عن السدي ، عن عبد خير ، قال : غزونا مع سليمان « 1 » بن ربيعة الباهلي بلنجر « 2 » فحاصرنا أهلها ، ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا ، واشترى عبد اللّه بن سلام يهودية بسبعمائة ، فلما مر برأس الجالوت نزل به ، فقال له عبد اللّه ، يا رأس الجالوت ، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك تشتريها مني ؟ قال : نعم ، قال : أخذتها بسبعمائة درهم ، قال : فإني أربحك سبعمائة أخرى ، قال : فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف ، قال : لا حاجة لي فيها ، قال : واللّه لتشرينها مني أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه ، قال : ادن مني ، فدنا منه ، فقرأ في أذنه مما في التوراة : إنك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلا اشتريته ، فأعتقه وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ قال : أنت عبد اللّه بن سلام ؟ قال : نعم : فجاء بأربعة آلاف ، فأخذ عبد اللّه ألفين ، ورد عليه ألفين . وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره : حدثنا أبو جعفر يعني الرازي ، حدثنا الربيع بن أنس ، أخبرنا أبو العالية : أن عبد اللّه بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة ، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب ، ولا يفادي من وقع عليه العرب ، فقال عبد اللّه : أما أنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن والذي أرشدت إليه الآية الكريمة ، وهذا السياق ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة ، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها ، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة الرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونعته ومبعثه ومخرجه ومهاجره وغير ذلك من شؤونه التي أخبرت بها الأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام ، واليهود عليهم لعائن اللّه يتكاتمونه بينهم ، ولهذا قال تعالى : فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي بسبب مخالفتهم شرع اللّه وأمره وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ جزاء على مخالفتهم كتاب اللّه الذي بأيديهم وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ أي استحبوها على الآخرة واختاروها فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي ولا يجيرهم منه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 87 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ( 87 ) ينعت تبارك وتعالى بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة والاستكبار على الأنبياء ، وأنهم
--> ( 1 ) في معجم البلدان : فتحها عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي . وفي فتوح البلدان للبلاذري : سلمان بن ربيعة الباهلي . ( 2 ) بلنجر : مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب . ( معجم البلدان : 1 / 489 )