ابن كثير

196

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ومجاهد ووهب بن منبه وأبو العالية وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أنهم اشتروها بمال كثير ، وفيه اختلاف ، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك ، وقال عبد الرزاق : أنبأنا ابن عيينة ، أخبرني محمد بن سوقة عن عكرمة ، قال : ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير ، وهذا إسناد جيد عن عكرمة والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضا ، وقال ابن جرير « 1 » ، وقال آخرون : لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن اطلع اللّه على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه [ إلى موسى ] « 2 » ولم يسنده عن أحد ، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها وللفضيحة ، وفي هذا نظر ، بل الصواب ، واللّه أعلم ، ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه ، وباللّه التوفيق . [ مسألة ] استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان ، كما هو مذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وجمهور من العلماء سلفا وخلفا بدليل ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها » وكما وصف النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، إبل الدية في قتل الخطأ ، وشبه العمد بالصفات المذكورة بالحديث ، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون : لا يصح السلم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله ، وحكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 72 إلى 73 ] وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 73 ) قال البخاري : فَادَّارَأْتُمْ فِيها اختلفتم ، وهكذا قال مجاهد ، قال فيما رواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن أبي حذيفة ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، إنه قال في قوله تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها اختلفتم . وقال عطاء الخراساني والضحاك : اختصمتم فيها ، وقال ابن جريج وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها قال بعضهم : أنت قتلتموه ، وقال آخرون : بل أنتم قتلتموه ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسم وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال مجاهد : ما تغيبون ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن مسلم البصري ، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي ، حدثنا صدقة بن رستم ، سمعت المسيب بن رافع يقول : ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها اللّه ، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها اللّه ، وتصديق ذلك في كلام اللّه وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ . فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة ، فالمعجزة حاصلة به ، وخرق العادة به كائن ، وقد كان معينا في نفس

--> ( 1 ) الطبري 1 / 397 . ( 2 ) الزيادة من الطبري .