ابن كثير

186

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

والحيل ، فلم تخلص منها يومها ذلك ، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت ، فلما فعلوا ذلك ، مسخهم اللّه إلى صورة القردة وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة ، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن ، كان جزاؤهم من جنس عملهم وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [ الأعراف : 163 ] القصة بكمالها . وقال السدي : أهل هذه القرية هم أهل أيله ، وكذا قال قتادة ، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء اللّه وبه الثقة . وقوله تعالى : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قال : مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة . وإنما هو مثل ضربه اللّه كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] ورواه ابن جرير عن المثنى ، عن أبي حذيفة وعن محمد بن عمر الباهلي وعن أبي عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به « 1 » ، وهذا سند جيد عن مجاهد ، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره . قال اللّه تعالى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [ المائدة : 60 ] ، وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ فجعل اللّه منهم القردة والخنازير فزعم أن شباب القوم صاروا قردة وأن المشيخة صاروا خنازير . وقال شيبان النحوي عن قتادة فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ فصار القوم قردة تعاوى ، لها أذناب بعد ما كانوا رجالا ونساء وقال عطاء الخراساني : نودوا يا أهل القرية كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون يا فلان ألم ننهكم ؟ فيقولون برءوسهم : أي بلى ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد اللّه بن محمد بن ربيعة بالمصيصية « 2 » ، حدثنا محمد بن مسلم ، يعني الطائفي ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقا « 3 » ، ثم هلكوا ما كان للمسخ نسل . وقال الضحاك ، عن ابن عباس : فمسخهم اللّه قردة بمعصيتهم ، يقول : إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام ، قال : ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل وقد خلق اللّه القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكرها اللّه في كتابه ، فمسخ هؤلاء القوم في صورة

--> ( 1 ) الطبري 1 / 373 . ( 2 ) كذا . ولعلها المصيصة : مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس ( معجم البلدان ) ( 3 ) الفواق : ما بين الحلبتين من الراحة .