ابن كثير
181
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أي لا يزالون مستذلين ، من وجدهم استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الصغار ، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكون . قال الضحاك ، عن ابن عباس : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ قال : هم أصحاب النيالات يعني الجزية . وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الحسن ، وقتادة في قوله تعالى : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ قال : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ، وقال الضحاك : وضربت عليه الذلة ، قال : الذل . وقال الحسن : أذلهم اللّه فلا منعة لهم ، وجعلهم تحت أقدام المسلمين ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية ، وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي : المسكنة الفاقة ، وقال عطية العوفي : الخراج ، وقال الضحاك : الجزية ، وقوله تعالى : وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ قال الضحاك : استحقوا الغضب من اللّه ، وقال الربيع بن أنس : فحدث عليهم غضب من اللّه ، وقال سعيد بن جبير : وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يقول : استوجبوا سخطا ، وقال ابن جرير : يعني بقوله : وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ انصرفوا ورجعوا ، ولا يقال : باء إلا موصولا إما بخير وإما بشر يقال منه : باء فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء ، ومنه قوله تعالى : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [ المائدة : 29 ] يعني تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني . فمعنى الكلام : إذا رجعوا منصرفين متحملين غضب اللّه قد صار عليهم من اللّه غضب ، ووجب عليهم من اللّه سخط . وقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ يقول تعالى : هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة ، وإحلال الغضب بهم من الذلة ، بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات اللّه ، وإهانتهم حملة الشرع ، وهم الأنبياء وأتباعهم ، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم ، فلا كفر أعظم من هذا ، إنهم كفروا بآيات اللّه ، وقتلوا أنبياء اللّه بغير الحق ، ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « الكبر بطر الحق وغمط الناس » « 1 » وقال الإمام أحمد رحمه اللّه : حدثنا إسماعيل ، عن ابن عون ، عن عمرو بن سعيد ، عن حميد بن عبد الرحمن ، قال : قال ابن مسعود : كنت لا أحجب عن النجوى ، ولا عن كذا ولا عن كذا ، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعنده مالك بن مرارة الرهاوي ، فأدركته من آخر حديثه وهو يقول : يا رسول اللّه ، قد قسم لي من الجمال ما ترى ، فما أحب أن أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما ، أفليس ذلك هو البغي ؟ فقال : « لا ليس ذلك من البغي ولكن البغي من بطر » ، أو قال : « سفه الحق وغمط الناس » « 2 » يعني رد الحق ، وانتقاص الناس ، والازدراء بهم ، والتعاظم عليهم ، ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات اللّه ، وقتلهم أنبياءه ، أحل اللّه بهم بأسه الذي لا يرد ،
--> ( 1 ) أخرجه مسلم من حديث عبد اللّه بن مسعود مرفوعا . ( إيمان حديث 147 ) . وبطر الحق : هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا . وغمط الناس احتقارهم . ( 2 ) مسند أحمد ( ج 1 ص 385 )