ابن كثير

160

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ [ الأحقاف : 28 ] ، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى : ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ [ الصافات : 25 ] مالكم اليوم لا تمانعون منا ، هيهات ليس ذلك لكم اليوم ، قال ابن جرير « 1 » : وتأويل قوله : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر كما لا يشفع لهم شافع ، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية ، بطلت هنالك المحاباة ، واضمحلت الرشا والشفاعات ، وارتفع من القوم التناصر والتعاون ، وصار الحكم إلى الجبار العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء ، فيجزي بالسيئة مثلها ، وبالحسنة أضعافها ، وذلك نظير قوله تعالى : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ . ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [ الصافات : 24 - 26 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 49 إلى 50 ] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) يقول تعالى : اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ، أي خلصتكم منهم ، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى عليه السلام ، وقد كانوا يسومونكم أي يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب ، وذلك أن فرعون لعنه اللّه كان قد رأى رؤيا هالته ، رأى نارا خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل ، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل ، ويقال بعد تحدّث سمّاره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم يكون لهم به دولة ورفعة ، وهكذا جاء في حديث الفتون كما سيأتي في موضعه في سورة طه إن شاء اللّه تعالى ، فعند ذلك أمر فرعون لعنه اللّه بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل وأن تترك البنات ، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها ، وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء ، وفي سورة إبراهيم عطف عليه كما قال : يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص إن شاء اللّه تعالى ، به الثقة والمعونة والتأييد . ومعنى يسومونكم : يولونكم ، قاله أبو عبيدة ، كما يقال : سامه خطّة خسف إذا أولاه إياها ، قال عمرو بن كلثوم : [ الوافر ] إذا ما الملك سام الناس خسفا * أبينا أن نقر الخسف فينا « 2 » وقيل معناه : يديمون عذابكم ، [ والسّوم : الدوام ] « 3 » كما يقال : سائمة الغنم من إدامتها الرعي ، نقله القرطبي . وإنما قال هاهنا : يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ليكون ذلك

--> ( 1 ) الطبري 1 / 308 . ( 2 ) البيت لعمرو بن كلثوم في ديوانه ص 91 ؛ والقرطبي 1 / 384 ؛ وتفسير الرازي 3 / 63 . ( 3 ) الزيادة من القرطبي .