ابن كثير
157
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ هذا من تمام الكلام الذي قبله ، أي وإن الصلاة أو الوصاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ، أي يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة معروضون عليه ، وأنهم إليه راجعون أي أمورهم راجعة إلى مشيئته يحكم فيها ما يشاء بعدله ، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات . فأما قوله يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ قال ابن جرير « 1 » ، رحمه اللّه : العرب قد تسمي اليقين ظنا ، والشك ظنا ، نظير تسميتهم الظلمة سدفة ، والضياء سدفة ، والمغيث صارخا ، والمستغيث صارخا ، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده ، كما قال دريد بن الصمة : [ الطويل ] فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد « 2 » يعني بذلك : تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم ، وقول عميرة بن طارق : [ الطويل ] فإن يعبروا قومي وأقعد فيكم * وأجعل مني الظن غيبا مرجما « 3 » يعني ويجعل اليقين غيبا مرجما ، قال : والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر ، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية ، ومنه قول اللّه تعالى : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [ الكهف : 53 ] ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عاصم حدثنا سفيان عن جابر عن مجاهد : كل ظن في القرآن يقين أي « 4 » ظننت وظنوا . وحدثني المثنى : حدثنا إسحاق حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن فهو علم . وهذا سند صحيح . وقال أبو جعفر الرازي « 5 » عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ قال : الظن هاهنا يقين . قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد والسدي والربيع بن أنس وقتادة نحو قول أبي العالية . وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ علموا أنهم ملاقوا ربهم كقوله إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ يقول : علمت . وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم . ( قلت ) وفي الصحيح : أن اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة « ألم أزوّجك ألم أكرمك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع ؟ فيقول : بلى ، فيقول اللّه تعالى « أظننت أنك ملاقي ؟ » فيقول : لا ، فيقول اللّه « اليوم أنساك كما نسيتني » وسيأتي مبسوطا عند قوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إن
--> ( 1 ) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ص 47 ؛ والأصمعيات ص 23 ؛ والطبري 1 / 300 ؛ ولسان العرب ( ظنن ) . وبلا نسبة في أسرار العربية ص 156 . والفارسي المسرّد : الدروع الفارسية الجيدة النسج . ( 2 ) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ص 47 ؛ والأصمعيات ص 23 ؛ والطبري 1 / 300 ؛ ولسان العرب ( ظنن ) . وبلا نسبة في أسرار العربية ص 156 . والفارسي المسرّد : الدروع الفارسية الجيدة النسج . ( 3 ) البيت في الطبري 1 / 300 ؛ ونقائض جرير والفرزدق ص 53 ؛ والأضداد لابن الأنباري ص 12 . والرواية : « بأن تغتزوا قومي » . ( 4 ) في الطبري : « إني » . ( 5 ) تفسير الرازي 3 / 48 .