ابن كثير

152

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وبالبر ، ويخالفون ، فعيرهم اللّه عز وجل « 1 » . وكذلك قال السدي . وقال ابن جريج : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة ويدعون العمل بما يأمرون به الناس ، فعيرهم اللّه بذلك ، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة « 2 » . وقال محمد بن إسحاق عن محمد [ بن أبي محمد ] « 3 » عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس : وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أي تتركون أنفسكم وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم ، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي وتنقضون ميثاقي وتجحدون ما تعلمون من كتابي . وقال الضحاك عن ابن عباس : في هذه الآية يقول : أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلّى اللّه عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة وتنسون أنفسكم . وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني علي بن الحسن حدثنا مسلم الجرمي حدثنا مخلد بن الحسين عن أيوب السختياني ، عن أبي قلابة في قول اللّه تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ قال : قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات اللّه ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا « 4 » . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية : هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل سألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة أمروه بالحق ، فقال اللّه تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ والغرض : أن اللّه تعالى ذمهم على هذا الصنيع ، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه ، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له ، فإن الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالم ، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به ولا يتخلف عنهم كما قال شعيب عليه السلام : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ هود : 88 ] فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف . وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها وهذا ضعيف ، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية فإنه لا حجة لهم فيها ، والصحيح : أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله ، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه ، قال مالك عن ربيعة : سمعت سعيد بن جبير يقول : لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر . قال مالك : وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء ؟ ( قلت ) لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية لعلمه بها ومخالفته على بصيرة فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم ، ولهذا جاءت

--> ( 1 ) الطبري 1 / 296 ) ( 2 ) الطبري 1 / 296 ) ( 3 ) الزيادة من الطبري . ( 4 ) الطبري 1 / 297 )