ابن كثير
143
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة ، وقد قيل : كانت شجرة البر وقيل كانت شجرة العنب وقيل كانت شجرة التين ، وجائز أن تكون واحدة منها ، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه ، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به ، واللّه أعلم . وكذلك رجح الإبهام الرازي في تفسيره وغيره وهو الصواب . وقوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها يصح أن يكون الضمير في قوله عنها عائدا إلى الجنة فيكون معنى الكلام كما قرأ عاصم بن بهدلة وهو ابن أبي النجود : فأزالهما أي فنحاهما ؛ ويصح أن يكون عائدا على أقرب المذكورين وهو الشجرة فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادة : فأزلهما أي من قبل الزلل ، فعلى هذا يكون تقدير الكلام فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها أي بسببها ، كما قال تعالى : يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [ الذاريات : 9 ] أي يصرف بسببه من هو مأفوك ، ولهذا قال تعالى فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ أي من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة . وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ أي قرار وأرزاق وآجال - إلى حين - أي إلى وقت ومقدار معين ثم تقوم القيامة . وقد ذكر المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده وأبي العالية ووهب بن منبه وغيرهم هاهنا أخبارا إسرائيلية عن قصة الحية وإبليس ، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته ، وسنبسط ذلك إن شاء اللّه في سورة الأعراف فهناك القصة أبسط منها هاهنا ، واللّه الموفق . وقد قال ابن أبي حاتم هاهنا : حدثنا علي بن الحسن بن إشكاب ، حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق « 1 » فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه ، فأول ما بدا منه عورته ، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة فأخذت شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن : يا آدم مني تفر » فلما سمع كلام الرحمن قال : يا رب لا ، ولكن استحياء . قال : وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القرشي سنة أربع وخمسين ومائتين ، حدثنا سليمان بن منصور بن عمار حدثنا علي بن عاصم عن سعيد عن قتادة عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لما ذاق آدم من الشجرة فر هاربا فتعلقت شجرة بشعره فنودي : يا آدم أفرارا مني ؟ قال : بل حياء منك ، قال : يا آدم اخرج من جواري فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني ، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقا ثم عصوني لأسكنتهم دار العاصين » « 2 » هذا حديث غريب وفيه انقطاع بل إعضال « 3 » بين قتادة وأبي بن كعب رضي اللّه
--> ( 1 ) السحوق : الطويل . ( 2 ) رواه السيوطي في الدر المنثور 1 / 109 ؛ قال : وأخرجه ابن إسحاق في المبتدأ ، وابن سعد ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا في التوبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في البعث والنشور ، عن أبيّ بن كعب عن النبي . ( 3 ) الإعضال في الحديث : أن يسقط من إسناده اثنان أو أكثر على التوالي .