ابن كثير
134
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قصة الملائكة وآدم ، فقال اللّه للملائكة : كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها ، هذا عندي قد علمته ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني ، قال : وقد سبق من اللّه لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * [ هود : 119 ] قال : ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه ، فقال : فلما رأوا ما أعطى اللّه آدم من العلم أقروا له بالفضل . وقال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس وهو أن معنى قوله تعالى : وَأَعْلَمُ ، ما تُبْدُونَ وأعلم مع علمي غيب السماوات والأرض ، ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم ، فلا يخفى علي أي شيء سواء عندي سرائركم وعلانيتكم . والذي أظهروه بألسنتهم قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ، والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطويا إبليس من الخلاف على اللّه في أوامره والتكبر عن طاعته ، قال : وصح ذلك كما تقول العرب : قتل الجيش وهزموا ، وإنما قتل الواحد أو البعض وهزم الواحد أو البعض ، فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ [ الحجرات : 4 ] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدا من بني تميم ، قال : وكذلك قوله وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ « 1 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 34 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) وهذه كرامة عظيمة من اللّه تعالى لآدم امتن بها على ذريته حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم ، وقد دل على ذلك أحاديث أيضا كثيرة منها حديث الشفاعة المتقدم ، وحديث موسى عليه السلام « رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة ، فلما اجتمع به قال : أنت آدم الذي خلقه اللّه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته » وقال وذكر الحديث كما سيأتي إن شاء اللّه . وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن ، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة ، وكان اسمه الحارث ، وكان خازنا من خزان الجنة ، قال : وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي ، قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار وهو لسان النار الذي يكون فيه طرفها إذا ألهبت . قال : وخلق الإنسان من طين ، فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها ، وسفكوا الدماء ، وقتل بعضهم بعضا ، قال : فبعث اللّه إليهم إبليس في جند من الملائكة وهم هذا الحي الذي يقال لهم الجن « 2 » فقتلهم إبليس
--> ( 1 ) الطبري 1 / 260 - 261 . ( 2 ) كذا أيضا في الطبري : « الجن » بالجيم . وقد خطأه الأستاذ محمود شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري ( طبقة دار المعارف بمصر ) وقال إن الصواب « الحن » بالحاء المهملة ، مستشهدا بسياق الأثر الذي ميز بين إبليس وبين الجن . فإبليس مخلوق من نار السموم ، والآخرون خلقوا من مارج من نار . والجن ( بالجيم ) أول من سكن الأرض ، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة . وقد قال الجاحظ في الحيوان 7 / 177 : وبعض الناس يقسم الجن على قسمين فيقول : هم جنّ ( بالجيم ) وحنّ ( بالحاء ) ، ويجعل التي بالحاء أضعفهما . وقال في موضع آخر من كتاب الحيوان ( 1 / 291 - 292 ) : وبعض الناس يزعم أن الحن والجن صنفان مختلفان . وذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى باب بعض الملوك ليكتتب في الزمنى فقال في ذلك : إن تكتبوا الزّمنى فإني لزمن * من ظاهر الداء وراء مستكنّ أبيت أهوي في شياطين ترنّ * مختلف نجارهم جنّ وحنّ